عدد المشاهدات :

دروس من أحداث مصر - رابط واحد

2014-09-02


 Published on Jul 12, 2013

1) الإصرار على الديمقراطية حتى الموت!

2)((أفلا يتدبرون القرآن))؟ ردا على تبرير شعارات الديمقراطية بأنها لتحصيل الدعم الدولي

3) أيها الــ"إسلاميون" بمصر، لابد من توبة.

4) "التوافق" الذي قصم ظهر "الإسلاميين" بمصر

5) دور العلماء في الثورات


1) الإصرار على الديمقراطية حتى الموت!

السلام عليكم ورحمة الله. إخوتي الكرام لقد أمرنا الله تعالى بالاعتبار فقال: ((فاعتبروا يا أولي الأبصار)).

أحداث مصر مليئة بالعبر. التي سنعرض لها في حلقات بإذن الله ونسأله تعالى أن ينفعنا جميعا بها.

إخوتي، من استعراض الكتاب والسنة فإن ما حصل في مصر هو مصيبة في الدين لا تكون إلا بمعصية: ((قل هو من عند أنفسكم))،

فإن أردنا النجاة فعلينا أن نبحث عن هذه المعاصي والانحرافات ونتوب منها.

لكن الذي تفعله الأحزاب "الإسلامية" للأسف هو الزيادة من هذه الانحرافات والتمسك بها. وهذا حقيقة لا يبشر بخير!

هذه الانحرافات التي من أهمها اختيار طريق الديمقراطية بكل ما فيه من مصادمة لدين الله تعالى كما بينا بالتفصيل في سلسلة نصرةً للشريعة.

أمس أصر المتصدرون على وضع يافطة جديدة على منصة رابعة العدوية مكتوبٍ عليها: (مع الديمقراطية ضد الانقلاب) واليوم يدافع منظروهم عنها وعن مبادئ الديمقراطية من جديد، بل ويدعو بعضهم إلى التخلي عن الشعارات الإسلامية لتجنب تنفير الناس واستعداء الجيش!

في الواقع إخواني هذا يذكرني بما رواه المفسرون –وإن كان بأسانيد ضعيفة لكن نورده للعبرة- أن راهبا صالحا من بني إسرائيل جيء إليه بفتاة أصابها سوء ليدعو لها، فأغواه الشيطان ووسوس إليه أن يواقعها وقال (افعلها مرة ثم تتوب). فوقع بها فحملت منه، ثم جاءه الشيطان فوسوس إليه أن اقتلها وجنينَها لتستر على نفسك، ففعلها الراهب. ثم اكتشف قومها الأمر فجاؤوا بالراهب ليقتلوه.

فجاءه الشيطان مرة أخرى فقال له أنا الذي أوصلتك إلى هذا الحال فلا ينجيك إلا أنا. بل وقال له –كما في إحدى الروايات-: (إن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك). يعني سيأخذ الناس انطباعا سيئا عن العُباد الزهاد، أي أنه جاءه من باب "مصلحة الدعوة".

فقال له الراهب: (فكيف أصنع؟). فقال الشيطان: اسجد لي سجدة واحدة وأنا آخذ بأبصارهم وأنجيك مما أنت فيه. فسجد له الراهب فغدر به الشيطان وقال له: (إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين). فأخذ الناس الراهب وقتلوه ومات على هذا الحال مشركا بالله.

يروي المفسرون هذه القصة عند قوله تعالى: ((كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)).

ليست المسألة هنا التكفير وعدم التكفير لكني حقيقة أرى القصة تتكرر مع الديمقراطيين!

الديمقراطية التي تبنوها بشكل كامل آليات وفلسفة، والتنازلات الذريعة التي قدموها أوصلتهم وأوصلت شعب مصر معهم إلى ما هم فيه ومكنت لمجرمي العسكري وأعداء الدين في مصر.

فبدلا من أن يتوبوا إلى الله مما فعلوه في الفترة الماضية، إذا بهم يتمسكون بالديمقراطية وبالمصطلحات التي لوثوا بها عقائد الناس كــ(الشرعية الشعبية) حتى آخر لحظة ويظنون أنها ستنجيهم!

((فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون))

بدلا من التوبة واللجوء إلى الله يظن البعض أن الحل هو في الإيغال والغرق مزيدا ومزيدا في مستنقع الديمقراطية.

يعني يبدو أن الأدلة ليست في الحسابات. استعراض سنن الله في القرآن ليست في الحسابات.

وبالتالي فبدلا من (فبما كسبت أيديكم) يكون الاستنتاج: (لا بد من تقديم المزيد من التنازلات)! بدلا من: (الديمقراطية لم تنفعنا فآن لنا أن نعود إلى دعوة إسلامية نقية) يكون الاستنتاج (الوقوف بين الإسلام والديمقراطية لم ينفعنا فلا بد من التخلي عن إسلاميتنا والدخول في الديمقراطية بشكل كامل).

بدلا من قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تبعوا خطوات الشيطان)) أي ادخلوا في الإسلام كله ولا تتخلوا عن شيء منه وإلا كنتم متبعين للشيطان، بدلا من هذه الآية كأنه يقال: (ادخلوا في الديمقراطية كافة ولا تتبعوا آيات الرحمن).

والذي يظن أن هذا مبالغة فليراجع مقالة لأحد "المنظرين" اليوم بخصوص الخلاف الذي حصل على تعليق يافطة (مع الديمقراطية ضد الانقلاب). وليس من عادتي أن أورد كلام شخص بعينه، وذلك تجنبا لشخصنة الخلاف،

لكن حقيقةً هذا المقال يجمع أكثر أمراض الفكر التنازلي المنبتر تماما عن نور الوحي، لذا سأورد فقرات منه كممثلة عن هذا الطرح:

يقول فيها المحترم بالحرف:

"رجاء شديد...أي أخ أو أخت عاوز يقترح أي حاجة بخصوص الميدان وتحركاته والمنصة وخلافه, ياريت رجاء يشيل من ذهنه تصور إن دي "ثورة إسلامية" بكل ما يحمله مصطلح "إسلامية" من تبعات وتصورات ذهنية وإرث نفسي وخلافه"...وتابع:

"ليس أقل من الاعتراف بحقيقة واضحة بتقول: ما قدرناش ننجح لوحدنا وبخطابنا الحالي، بدليل اللي احنا فيه حاليا"

(أي أن الخطاب الإسلامي فشل، والدليل ما هم فيه من نكسة. فبدلا من أن يستنتج أن خطابهم لم يكن إسلاميا نقيا وإلا لنصرهم الله، يستنتج أن الإسلام لا ينفع كخطاب!)

ثم قال:

"الحل الوحيد للخروج من المأزق ده هو تصدير ثورة شعبية وليست إسلامية. نحدد احنا عاوزين ايه بالضبط علشان نرتاح: لو عاوزينها ثورة إسلامية يبقى نتحمل انفضاض الناس اللي مش قابلة خطابنا بسبب عدم جدواه أو بسبب

كذا أو كذا..." (أوردَ أسبابا أخرى)

فبعدما أشرب البعض الديمقراطية في قلوبهم تصوروا أن الناس تنفض عن الخطاب الإسلامي! والحق أنها تنفض عن الخطاب الملفق الهجين المخلط فاقد المصداقية.

ثم قال المحترم:

"ولو عاوزينها ثورة شعبية تخلي العسكر مرتبك ومش قادر يشوه حراك شعب بكل أطيافه ويخلي الهدف أو النجاح بعد كده مُتبنى ومُدافَع عنه شعبيا يبقى نستحمل فاتورة الانحياز لمنطقة وسط تجمع كل الفرقاء المختلفين ..."

إذن لا زالوا يطنطنون بمصطلحات التوافق وجمع الفرقاء لأن حفنة اللادينيين سيطرت على أذهانهم وحكمت تصرفاتهم أكثر من مراقبة الله عز وجل.

ويدعو حضرته إلى تحمل فاتورة الانحياز لمنطقة وسط. ما هي هذه الفاتورة؟ التخلي عن الإسلامية والدخول في دين الديمقراطية كافة وتقديم المزيد من التنازلات حتى تنجيهم بعدما وُضعوا على خشبة القتل!

ثم يقول حضرته:

"مش عاجباك كلمة ديموقراطية؟ جميل - مع إني مش فاهم ليه يعني - قدّم بقى البديل الواضح القوي المقبول شعبيا المتوافق مع النظم السياسية العالمية"

لا زالت النظم السياسية العالمية مسيطرة على أذهانهم بعد خذلانها لهم وتآمرها عليهم. يُسترضى الجميع إلا الله تعالى.

ثم يقول:

ثم يقول حضرته: "برضه مش فاهم ازاي مش عاجباك كلمة ديموقراطية مع إنك بتطالب بعودة مرسي اللي هو أصلا - كرئيس - منتج من منتجات العملية دي بكل وضوح وبدون سفسطة !"

وهذه من أدل العبارات على ما أوردناه في الحلقة الثانية من سلسلة سيكولوجيا الانحراف تحت عنوان مبدأ الالتزام والتوافق. عندما ذكرنا أن الذي يقدم تنازلا يجد نفسه مضطرا للالتزام بتبعات هذا التنازل حتى يكون متوافقا مع نفسه، وهكذا صاحب المقال المذكور، بدلا من القول بأن القبول بدخول السباق الرئاسي بناء على قواعد الديمقراطية كان تنازلا يجب التوبة منه والتراجع عنه، يستنتج أنه حتى نكون متوافقين مع أنفسنا لا بد من تعديل خطابنا والتخلص من إسلاميته كاستحقاقات للمطالبة بالرئيس المنتخب ديمقراطيا !

ثم قال حضرته!:

"كفاية فلسفة رجاء أبوس إيديكم ...الخيالات الطوباوية دي ثبت عدم جدواها مليون مرة"

إذن أصبح الطرح الشرعي "فلسفة" و"خيالات ثبت عدم جدواها". بدلا من أن يقول أن طريق التنازلات هذا هو الذي ثبت عدم جدواه.

ونحن نتساءل: عندما يقول أن الطرح الإسلامي ثبت عدم جدواه، عدم جدواه في ماذا بالضبط؟ في خدمة دين الله؟ الخطاب الإسلامي غير مجد في خدمة الإسلام؟! أم أنه ثبت عدم جدواه في تحصيل كرسي الحكم؟

أم في حشد الجماهير فإذا كانت الشريعة تحشد استعملناها وإذا كانت لا تحشد استخدمنا بدلا منها كلمة ديمقراطية؟!

أنا أسأل أصحاب هذا الطرح: متى آخر مرة قرأتم فيها القرآن بتدبر؟ وما معنى إسلامكم إن كنتم لا تستدلون بقال الله وقال رسوله؟

وما معنى قوله تعالى إذن: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم))؟ وهل أنتم بطريقتكم هذه تنصرون الله لتستحقوا وعده تعالى إذ قال: ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))؟

والله لا أرى إلا أن الله تعالى يكلكم إلى أنفسكم وإلى ديمقراطيتكم التي ارتضيتموها في حربكم مع مجرمي العسكري. فاتقوا الله وكفى سجودا للديمقراطية وأنتم على خشبة الموت. وأصلحوا هذا الفساد يا شباب الإخوان قبل فوات الأوان.

نسأل الله أن يهدي الضالين ويصلح أحوال المسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله.

2) ((أفلا يتدبرون القرآن))؟ ردا على تبرير شعارات الديمقراطية بأنها لتحصيل الدعم الدولي:

السلام عليكم ورحمة الله.

إخوتي الكرام عندما نرفض رفع شعارات الديمقراطية في الاعتصامات برابعة العدوية وغيرها يرد بعض المتعذرين بأن المقصود بهذه الشعارات مخاطبة الخارج، أي النظام الدولي، وليس مخاطبة المسلمين.

فنقول لأصحاب هذا العذر: عندما توجهون رسائل إلى الخارج بشعارات الديمقراطية...ما مفاد هذه الرسائل؟: (أننا نعلم يا ساسة النظام الدولي أنكم كارهون للشريعة، فنحن نطمئنكم أننا لا نريدها إسلامية، بل سنطيعكم في التزام الديمقراطية التي ارتضيتموها لنا فأغيثونا في المقابل وأعينونا على المجلس العسكري)!

هناك في الحقيقة وصف قرآني دقيق لعذركم هذا. فلو أنكم -هداكم الله- تدبرتم القرآن لعلمتم أن هذا العذر يدين صاحبه ولا يعذره.

قال الله تعالى: ((إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) )) (محمد).

إن كان الله وصف من قال للكفار الكارهين لما نزل الله: (سنطيعكم في بعض الأمر) بأنهم ارتدوا على أدبارهم فكيف بمن قال لهم سنطيعكم في الديمقراطية منهج حكم وتشريع بأكمله؟! أي سنطيعكم في كل الأمر؟! مجرد الوعد بالطاعة إدانة كما في الآية، فكيف بهم وهم يلتزمون وعدهم للكفار بالفعل في تبني الديمقراطية؟!

لقد بين الله مشكلة هؤلاء أنهم تبين لهم الهدى، لكن الشيطان -الذي يظهر بصورة الاجتهادات العقلية "الحكيمة" التي تناسب المرحلة!- ((سول لهم))، أي: (سول لهم أن يوافقوا أهل الشرك والكفر في بعض الأمور، مسولا أن تلك الموافقة في بعض الأمر لا تنقض اهتداءهم) (كما تفسير التحرير والتنوير لعاشور)، يعني سول لهم أن تبني الديمقراطية لا ينقض دينكم، ((وأملى لهم))، أي منَّاهم بطول الأمد. يقولون الديمقراطية هي من متطلبات المرحلة، وبعد أن تمر الأزمة نعود إلى الإسلام النقي من جديد!

إذن هذه هي فحوى دفاعهم بقولهم (نريد بالديمقراطية توجيه رسائل إلى الخارج). أي: (نريد أن نقول للنظام الدولي الكاره لما نزل الله: لا تخف، نحن لا نسعى إلى الحكم بالقرآن الذي تكرهه، بل سنطيعك في كل الأمر)!

عذر أقبح من ذنب! وتهمة تثبتونها على أنفسكم يا هداكم الله وأنتم لا يشعرون، أتدرون لماذا لم تنتبهوا إلى أن القرآن يتحدث عنكم؟ السبب مذكور في الآية السابقة لهذه الآيات مباشرة: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) ))...سبحان الله!

عودوا أنفسهم إن سمعوا قال الله وقال رسوله أن يردوا عليها بالفلسفات والأهواء التي يرونها حكمة وعقلانية فحرمهم الله نعمة تدبر القرآن.

((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) ))

في مثل ظرفكم العصيب توجهون رسائل إلى من كرهوا ما نزل الله، إلى كارهي الشريعة، ليغيثوكم، وتسترضونهم بسخط الله وهم من تآمر عليكم وأحرق ورقتكم؟! بدلا من أن تلجأوا إلى الله القائل: ((قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير)). الله الذي يؤتي الملك والله الذي ينزع الملك. أما تدبرتم هذه الآية؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

تنفِّرون المؤمنين عن نصرتكم بشعاراتكم ولا تعبأون بهم، المهم توجيه رسائل للكافرين لأنهم أقوى...((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا))..أما تدبرتم هذه الآية؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

ظننتم أن شعار الشريعة لم يعد يصلح للحشد، مع أن العيب ليس فيه ولا في فطرة الناس، إنما في عدم صدقكم في رفعه. فرفعتم بدلا منه زبالة الديمقراطية لتجمعوا عليها الذباب، لأنكم مهزومون نفسيا أمام من يكرهون الشريعة ويحبون الديمقراطية فلا ترون غيرهم وتريدون تكثير سوادكم بهم...((قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون (100) )) (المائدة)...أما تدبرتم هذه الآية؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

ركنتم إلى الذين ظلموا فانقلبوا عليكم....((مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون)) ...أما تدبرتم هذه الآية؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

عرفكم الله بحقيقة أعدائكم الذي تريدون توجيه رسائل إليهم وأخبركم أنهم ((يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) )) قال تعالى بعدها: ((والله أعلم بأعدائكم))

أعلم منكم بأعدائكم. أعلم أنه: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) مهما وجهتم إليهم من رسائل

أعلم أن أعداءكم ((ودوا ما عنتم))، أي: يسرهم أن تقعوا في المشقة، ولا يخفاكم تآمرهم على سوريا وأهلها.

((والله أعلم بأعدائكم)) ولذلك نهاكم أن تتولوهم أو تطلبوا عندهم خيرا أو تقولوا لهم سنطيعكم في بعض الأمر.

طيب ماذا نفعل للخروج من أزمتنا؟ أجابكم الله تعالى في الآية نفسها فقال: ((والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) ))...أما تدبرتم هذه الآيات كلها؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

الغرب الذي توجهون إليه الرسائل، إن أعادكم إلى كرسي الحكم، فهل سيعيدكم لتحكموا بما أنزل الله على المدى البعيد كما تزعمون وتحرروا البلاد والعباد من العبودية للغرب؟ أم لتنفذوا سياساته من حيث تشعرون أو لا تشعرون؟ اليوم نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تحليلا تقول فيه: (إقصاء الإخوان يعني صعود المتشددين الإسلاميين الذين لا يؤمنون لا بالديمقراطية ولا بالانتخابات، وهذا خطر كبير علينا). فهل يدافع عنكم النظام الدولي لوجه الله، والله تعالى قال: ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا))؟... أما تدبرتم هذه الآية؟ ((أم على قلوب أقفالها))؟!

لذا فنقول للمدافعين عن الانحراف: لا تثبتوا التهمة على أنفسكم بأنفسكم من كتاب الله، ولا تتعذروا بأعذار هي أقبح من ذنب. هذه فرصتكم في شهر رمضان أن تتدبروا القرآن وتحاكموا أنفسكم إليه وتقبلوا عليه دون مسلمات سابقة، دون موروثات حزبية شعارها (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، أقبلوا على القرآن لتعيدوا صياغة نفسياتكم وعقلياتكم بنور من كتاب الله تعالى...((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين))

والسلام عليكم ورحمة الله.

3) أيها الــ"إسلاميون" بمصر، لابد من توبة.

السلام عليكم ورحمة الله.

إخوتي الكرام هل لا زال هناك داعٍ للحديث عن أخطاء الأحزاب "الإسلامية" وهي في وضعها الحرج الآن؟ في الواقع في الواقع هذا الحديث ليس نقدا مجردا بل هو علاج، وذلك للأسباب الأربعة التالية:

1) أن الوقوف على الأخطاء جزء من الحل. فنحن نعتقد أن هذه الأخطاء والانحرافات هي التي ساقت "الإسلاميين" إلى ما هم فيه الآن من ضعف أمام العدو المجرم. فلا نجاة لهم ولا لمصر إلا بالتوبة من هذه الانحرافات والتخلص منها. لكن الذي يحصل للأسف أنهم مصرون عليها، متمسكون بها، لا يعترفون بأنها انحرافات فضلا عن أن يتوبوا منها. بل يظنون أن النصر هو في الاستمرار في طريق الديمقراطية والاستشهاد في سبيل "الشرعية"!

ليست المسألة عندنا لوما على الماضي دون فائدة، بل هو نذير مستمر لأن المرض موجود. فكيف يطالبني البعض أن أسكت وأنا أرى السكوت سببا في استفحال المرض؟!

كيف يطالبونني أن أكف بدلا من أن يطالبوا "الإسلاميين" بأن يكفوا عن الانحرافات التي يصرون عليها وتجرهم والمسلمين معهم إلى الهاوية؟!

كثير ممن يلومنا عندما نبين الأخطاء هم أنفسهم الذين كانوا ينتصبون جوقة للدفاع عن هذه الانحرافات كلما ذكرناها عبر السنة والنصف الماضية وذكرها الناصحون غيرنا، فيعلو ضجيجهم صوتنا وينفرون الناس عن سماع صرخات النذير إلى أن وصل الوضع إلى ما وصل إليه، ثم هم هم يعودون الآن للومنا وتقريعنا ويقولون "مش وقته"! لم يكن وقته في الماضي، وليس الآن وقته، ولن يكون وقته عندهم إلى قيام الساعة. فمتى نتعلم من أخطائنا إذن؟

ثم إنني قلتها وأقولها مرارا: أنا لست ضد الإخوان والسلفيين هكذا جملة وتفصيلا! بل أنا معكم عون لكم على شياطين الجن التي تزين لكم هذه الانحرافات. أنا معكم يا أنقياء الإخوان على بعض الرؤوس المتحجرة التي لا تريد أن تتعلم! معكم لتصححوا من الداخل قبل أن يستأصلكم من لا يخاف الله ولا يرحمكم، أو تعودوا للـ"توافق" مع أعداء الدين ويستمر الانحراف فتلقوا الله بذنوبكم ليجازيكم بها.

وليس المطبلون المدافعون عن أخطائكم بأشفق عليكم مني.

2) السبب الثاني للاستمرار في البيان هو ذاته الذي ذكرته في أولى حلقة تكلمت بها عن الثورات العربية قبل سنة ونصف، إذ نادينا أنْ أيتها الشعوب الإسلامية: الإسلام لم يدخل المعركة بعد في كثير من الساحات التي ينادى فيها بطروحات يقال أنها إسلامية. فإذا ما أخفق "الإسلاميون" في محاولاتهم لإنقاذكم فلا تقولوا (جربنا الإسلام فيما جربنا ولم ينفعنا)! فالذي ترون ليس تمثيلا صحيحا للإسلام، وإخفاقه ليس إخفاقا للإسلام).

أراد أعداؤنا إيهام الشعوب الإسلامية أن الإسلام أعطي فرصته في الحكم فأثبت فشله. في ليلة عزل محمد مرسي سمعت كثيرين يتساءلون: (لماذا حصل هذا؟)، وكأنه أمر غير متوقع، وكأن الخلل في سنن الله معاذ الله!

واستغل مرضى القلوب الظرف، فتناقلت صحفٌ الخبر على أنه سقوط للإسلام السياسي، ودليل على خطأ تسييس الدين، وفشل للتجربة الإسلامية في الحكم.

فهنا لا بد من بيان أن هذه التجربة لم تكن إسلامية أصلا. فالحفاظ على حسن ظن الناس بربهم ودينه وسننه أهم عندنا من إحسان الظن فيمن أساؤوا تمثيل الإسلام!

3) السبب الثالث هو أن البعض يقول: (إن كان الإسلاميون قاموا بتجربة إسلامية ناقصة ومع ذلك حصل لهم ما حصل، فما بالك لو تمسكوا بالشريعة كاملة كما تطالبون؟)!

فلا بد هنا من بيان أن تجربتهم لم تكن إسلامية، لا كاملة ولا ناقصة، ففقدوا بذلك معية الله، وتَرَكهم لأعدائهم. هذا هو الخلل، وإلا فإن الغافلين يستنتجون أنه في المرات القادمة علينا التنازل أكثر فأكثر!

4) السبب الرابع هو أن كثيرا من المتابعين الجدد لا يتفهمون أبدا منطلقاتنا عندما نحكم على هذه التجربة بأنها غير إسلامية أو عندما نقول أن "الإسلاميين" خذلوا الشريعة. فيظنون أن قصارى ملامتنا للــ"إسلاميين" هو في أنهم أخذوا بفتوى المجيزين للمشاركة البرلمانية! بل وبعض المتابعين الجدد يظننا نقصد بخذلان الشريعة أن "الإسلاميين" لم ينجزوا المطلوب ويقضوا على المنكرات من اليوم الأول من الحكم! وكأن العبد الفقير صاحب طرح سطحي عجول لا علاقة له بالواقع.

فلا بد هنا من التوضيح أننا عندما نقول أن "الإسلاميين" خذلوا الشريعة ولم يطبقوها فهذا يشمل كل مرحلة من مراحل ما بعد الثورة، وليس الأخذَ بفتوى المشاركة البرلمانية أو الرئاسية فقط، ولا أنهم تباطأوا في تطبيق الشريعة، بل كانوا سريعين في مصادمتها!

الآن، ما هي هذه الانحرافات التي لا بد من التوبة منها والتخلص من الدوافع النفسية والشوائب العقدية التي أفرزتها؟:

أولا: بدءا مما بعد تنحي مبارك، عندما ظهرت الدعوة إلى استكمال الثورة وفكفكة أجهزة الدولة العميقة ومواجهة العسكر المربَّى على عين أمريكا والصهاينة. هذه الدعوة الثورية هي من صلب الشريعة. لكن عامة "الإسلاميين" خذَلوها بل ونفروا الناس عنها، وكانوا بذلك غير مطبقين للشريعة من الخطوة الأولى.

ثانيا: ثم عندما استتب الأمر للجيش فعاد إلى ظلم الناس والبطش بهم وإطلاق البلطجية عليهم في التحرير والعباسية ومحمد محمود وغيرها، وكاد الناس يثورون من جديد، فينفِّسهم "الإسلاميون" كل مرة بحجة الحرص على مرور الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستمكن لأهل الإسلام وتقيم دولة الشريعة عزيزة الجانب! فبدلا من الانضمام إلى الشعب والانتصار للمظلومين، وهو من تطبيق الشريعة، خذَّلوا الناس عن مواجهة الجيش.

ثالثا: عندما ظهرت الدعوات مرارا لتحكيم الشريعة فخذلها بعض "الإسلاميين" وأعلنوا أنهم لن يشاركوا في هذه الدعوات. ثم ها هم يطالبون بمشاركتهم في المطالبة بالديمقراطية ويهاجمون من يمنع من ذلك!

رابعا: عندما تملقوا للكفار في كل موطن ووقفوا حدادا على بابا شنودة المجرم، وتواصل بعض من ينتسب إلى السلفية مع إذاعات صهيونية، بينما الشريعة تأمرهم أن يكونوا أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، خاصة أئمةِ الكفر.

خامسا: عندما طلبَتْ جماعة الإخوان من الأحزاب كافة بما فيها العلمانية والقبطية والليبرالية واليسارية أن تنتخب مرسي ووعدتها في مقابل ذلك بإشراكها في مؤسسة الحكم وكتابة الدستور الذي هو دين الدولة. فباعت الهدف من أجل الوسيلة! لم تكن بذلك متمسكة بالشريعة بل باعتها سلفا.

سادسا: عندما تعاملت الأحزاب مع الشريعة بلا أدنى مصداقية، فحشدت الناس باسم الشريعة في الأزمات، بينما يرفض الكتاتني أن يستثني أي عضو من مجلس النواب في يمينه على احترام الدستور الشركي، ويصر أعضاء من الإخوان على إبقاء عبارة "مبادئ الشريعة" الهلامية بدلا من "أحكام الشريعة" من قبيل التوافق مع الكفار والمنافقين! بما يمنع أي تقدم في اتجاه تحكيم الشريعة...لا يمكن تسمية تجربة كهذه بالإسلامية.

سابعا: عندما أصر "الإسلاميون" بأنفسهم على إدخال مغنين وممثلين ونصارى وجاهليين يسمَّوْن بالعلمانيين في لجنة كتابة الدستور استرضاء لهم وللنظام الدولي وتبرُّؤاً من تهمة الإقصائية، مع أن الناس انتخبوهم ليحكموا بالشريعة، لا ليُدخلوا معهم هذه الأشكال... لا يمكن تسمية تجربة كهذه بالإسلامية.

هذا كله قبل الوصول إلى الرئاسة. لم يكن "الإسلاميون" مطبقين للشريعة في أي من هذه المحطات المفصلية بل خذلوها. أما بعد الرئاسة، فقد نشرنا كلمةَ (لا الشريعة أقمتم ولا الشعب سودتم) بعد مرور أربعة أشهر على تولي محمد مرسي منصب الرئاسة وبينا بالوقائع الموثقة عشر شواهد على أن ما يحصل ليس تباطؤا في تطبيق الشريعة بل مسارعة في هدمها! كحملة سيناء الغادرة التي قادها الرئيس، وإدخال نصوص توراتية في المناهج.

ثم اتسع الخرق على الراقع وما عدنا نستطيع أن نحصي. وأتت فتنة الدستور الشركي الذي دعا "الإسلاميون" الناس إلى إقراره، والذي بيـَّنا في حينه بالتفصيل أنه لا عذر أبدا لإقراره. ثم حفل الغردقة وترخيص الثلاث سنوات للنوادي الليلية ومداهنة روسيا وإيران وغيرها وغيرها. وهذه كلها أمور حصلت على أعين "الإسلاميين" وبمشاركتهم وموافقتهم وليست أمورا يٌتعذر لهم فيها بأنهم لا يملكون منعها. وهذا كله عدا عن خذلان سجناء العقرب الإسلاميين والأخوات في سجون الكنيسة، الذين جاء الرئيس وذهب الرئيس وهم لا يزالون في سجونهم يعذبون.

فأية تجربة إسلامية هذه حتى يدعي مُدَّعٍ أن الإسلام أعطي فرصته في الحكم؟

هذه إخواني ذنوب ومعاص منهجية مارسها "الإسلاميون" لا قيام لهم إلا بالتوبة منها، وإلا فإنهم معرضون لعقوبة الله، التي ما العسكري إلا أحد أشكالها وأداة من أدواتها. والمشكلة أن الدوافع النفسية لها لا زالت موجودة وتنذر بتكرارها في المستقبل: فالتوافقية لا زالت موجودة، واسترضاء الخارج بسخط الله، بشعارات الديمقراطية والتبرؤ من الإسلامية، لا زال موجودا، وفقه المصلحة والمفسدة المتحلل من كل ضابط لا زال موجودا.

حصل للمسلمين ما حصل في معركة أُحُد بمعصية واحدة، فكيف بهذه المعاصي التي بعضها مشتمل على التمكين للشرك وخذلان الشريعة؟!

ولذا فسنعرض في حلقات قادمة بإذن الله لهذه الانحرافات المنهجية سعيا إلى تداركها ومعرفة الخلل المنهجي الذي أنتجها لمعالجته بإذن الله، حتى لا نلدغ من الجحر ذاته مرة أخرى.

ونقول ختاما للــ"إسلاميين": كانت هذه معاصي وموبقات، فلا بد من توبة. لا تكونوا كمن قال الله فيه: ((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم))، بل ممن قال الله فيهم: ((فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه))

والسلام عليكم ورحمة الله.

4) "التوافق" الذي قصم ظهر "الإسلاميين" بمصر:

السلام عليكم ورحمة الله. إخوتي الكرام ذكرنا في المرة الماضية الأخطاء التي جرت "الإسلاميين" في مصر إلى المصيبة التي هم فيها وقلنا أننا سنتكلم عن أسبابها ودوافعها سعيا إلى التخلص منها. من أخطر هذه الأخطاء التوافق، والحرص على إرضاء غير المسلمين ولو على حساب الشريعة.

أشرك "الإسلاميون" نصارى وعَلمانيين في كتابة الدستور في سبيل التوافق، ووافقوا على منع قيام الأحزاب على أساس ديني في سبيل التوافق، وأقروا دستورا ليس للإسلام فيه نصيب وكانت حجتهم في هذا أنه دستور توافقي، ورفضوا النص على أحكام الشريعة فيه من أجل التوافق، ووضعوا نصوصا من كتاب النصارى في مناهج الطلاب في سبيل التوافق، وعين د. مرسي نصرانيا بمؤسسة الرئاسة لشؤون الانتقال الديمقراطي في سبيل التوافق، وتملقوا لمن يسمَّون بالفنانين كما في حفل الغردقة وغيره في سبيل التوافق.

وكان تبريرهم في كل مرة: (هناك نصارى في المجتمع، ماذا نفعل بهؤلاء؟ لا نستطيع أن نقصيهم، هل تريدوننا أن نلقي بهم في البحر؟)! وكأن التمسك بالدين وإقامةَ الشريعة تعني ظلم غير المسلمين. وكانوا في كل مرة يتعذرون أنهم يريدون بذلك الإصلاح قدر الاستطاعة.

ترى هل كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دعوة إلى التوافق ولو على حساب الشريعة؟ نعم! ما الدليل؟ هناك آيات إخواني عندما نقرأها بعد هذه الأحداث نحس وكأننا نقرأها للمرة الأولى، وأتمنى على "الإسلاميين" أن يقرأوها بتجرد وطلب للهداية. قال الله تعالى في سورة النساء:

(( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63)))

(( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت))

أي أنهم تحاكموا إلى رجل من أهل الكتاب كما قال المفسرون.

الدستور الذي يجعل التشريع للبشر من دون الله كما بينا في حلقات كثيرة، هذا الدستور طاغوت تحاكموا إليه وأقسموا عليه ومنعوا من الاستثناء في هذا القسم. لماذا؟ لأنه دستور "توافقي".

قال تعالى:

((وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) ))

لا تنفر أيها المستمع لوجود كلمة (المنافقين)، حاول الاهتداء بالآيات هداك الله وسنعود للكلمة بعد قليل.

ظهرت الدعوة إلى تحكيم الشريعة والنزول في جمعات المطالبة بها وأتى الإعلان من أحزاب "إسلامية": (لن نشارك)، وخذَّلوا الناس عنها. لماذا؟ لأنها تفسد حالة التوافق!

ثم قال تعالى:

((فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) ))

((فكيف إذا أصابتهم مصيبة))...أنتم في مصيبة الآن أيها الإسلاميون، ليس لها من دون الله كاشفة، وهي: ((بما قدمت أيديهم)).

((ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا)): قال ابن كثير: (أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة).

إذن كانوا يقولون: نحن نريد الإحسان، أي مصلحة المسلمين، حقن الدماء والتوفيق بين الأطياف كلها وعدم إحداث شرخ في أبناء المجتمع الواحد...(إحسانا وتوفيقا)...ونداري أهل الكتاب الذين نحتكم إليهم، وإلا فنحن لا نعتقد صحة حكمهم ولا أفضليته على حكم الله ورسوله).

قال تعالى: ((أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) ))

الله عز وجل الذي قال: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) يقول هنا: ((وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا)). نعم، فالمسألة فيها ضياع الدين. ورفع شعار التوفيق بين الجميع ولو على حساب الشريعة معاندة لسنة الله تعالى القائل: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) ويؤول بك إلى أن تخسر كل شيء بلا مقابل. ويدل على ضعف تعظيم الشريعة في النفوس. والله سمى هؤلاء منافقين.

أعلم أن كثيرين سيغضبون، لكن عندما نرى أن هذه الأمراض لا زالت هي هي إلى الآن! آفة التوفيق بين أطياف المجتمع ولو على حساب الشريعة لا زالت مسيطرة على العقول. وما دامت الانحرافات موجودة فلن ينجو الإسلاميون بمصر ولن تنجو مصر معهم. نريد أن نقول لهم: "شيلوا من دماغكم حاجة اسمها توافق"، وإن أصررتم عليها فنحن مضطرون إلى تسمية الأشياء بمسمياتها وبيان أن هذا نفاق.

قال الله تعالى: ((وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)) أرسل الله نبيه ليطاع طاعة كاملة، لا لنسمي أنفسنا إسلاميين وندعي الانتساب إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ثم نضيعها في سبيل "التوافق"!

((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)) هذا ما ندعوكم إليه هداكم الله. استغفروا من ذنوبكم السالفة، ومن التوفيق على حساب الشريعة، وستجدون الله توابا رحيما.

ثم قال سبحانه:

((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)).

إذا لم نستطع أن نقيم هذا الحكم الإسلامي؟ حينئذ فهذا ليس عذرا لنا أن نكون جزءا من حكم وضعي ونوطده ونضفي عليه الشرعية بحجة التوافق. بل علينا العمل من خارج هذه المنظومة الجاهلية بدعوة نقية إلى أن يفتح الله بيننا وبين أعدائنا بالحق. أي تنازل في هذا المجال معناه: ((فلا وربك لا يؤمنون)).

هل نحن بتحذيرنا من التوافق على حساب الشريعة ندعو إلى ظلم غير المسلمين؟ أبدا. النبي صلى الله عليه وسلم اتفق مع غير المسلمين بالمدينة على وثيقة المدينة المعروفة وأعطاهم حقوقهم، لكن كل هذا تحت مظلة الشريعة: (وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله).

بل نقول إخواني: مفاصلة الناس على أساس العقيدة هي التي تؤدي إلى التوافق الحقيقي!

في سورة الممتحنة قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)) إلى أن قال: ((ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) )). ثم قال الله تعالى:

((عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) ))

تصور! بمنطق البشر القاصر: علينا أن نلقي بالمودة لأعداء الله حتى نحافظ على التوافق ونتقي شرهم.

بينما سنة الله تقول: إذا استجبنا لربنا وعاديناهم في الله والتمسنا رضا الله مهما سخط الناس علينا فالله سيجعل بيننا وبينهم مودة بأن يدخلوا في دين الله أفواجا عندما يروننا أعزة متمسكين بديننا.

العقل البشري بدون وحي الله تعالى لا يصل إلى هذه النتيجة. ولهذا: ((والله يعلم وأنتم لا تعلمون)).

ختاما نقول للـ"إسلاميين" بمصر وغيرها:

في الحديث الذي صححه ابن حجر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أرضَى اللهَ بسخطِ النَّاسِ كفاه اللهُ النَّاسَ، ومن أسخط اللهَ برضَا النَّاسِ وكَله اللهُ إلى النَّاسِ)). ووالله إنا جميعا لفي حاجة ماسة الآن إلى أن يكفينا الله الناس. وليس أضر علينا من أن يكلنا الله إلى الناس الذين حرصنا على التوافق معهم على حساب سخط الله.

فتوبوا يا هداكم الله من هذا التوافق على حساب الشريعة، توبوا من هذا "التوافق" غير الموفق، فلا يرضي الله، ولا يحافظ على العلاقة بالشعب الذي نخسره لأجل من أخبرنا الله مسبقا أنهم لن يرضوا عنا. واخلعوا هذه العبارة من ألسنتكم واحذفوها من قاموسكم إلى الأبد عسى الله أن يتوب عليكم ويرحمكم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

5) دور العلماء في الثورات (منشورة على النت).

مفهوم الفتنة وحقن الدماء والاستقرار:

السلام عليكم ورحمة الله.

إخوتي الكرام لا زلنا نحلل الأخطاء التي وصلت بمصر إلى أزمتها الحالية، سعيا إلى تداركها حاضراً وتجنبها في مشروع النهضة بالأمة مستقبلاً.

من أهم هذه الأخطاء التشوش في مفاهيم الفتنة وحقن الدماء والاستقرار.

هنا لا بد من توضيح مسألة قبل متابعة تحليل الوضع المصري.

-بعض المتابعين لنا يظن أننا نكلف الشعوب الإسلامية بالثورة على الظَّلمة المستبدين دون نظر إلى القدرة والاستطاعة وتحقق المطلوب من عدمه. وليس الأمر كذلك.

- إنما نؤكد أنه ينبغي الفصل تماما بين حكم الثورات قبل بدايتها من جهة، والموقف منها بعدما بدأت و وصلت مرحلة لا رجعة عنها من جهة أخرى.

-بمعنى آخر: لو جاء من يسأل قبل الثورة السورية مثلا: هل نثور على هذا المجرم ونحن ليست لدينا القوة الكافية؟ فحينها كنا سنقبل الخلاف في الأمر ونتفهم أن بعض العلماء قد يمنع من ذلك، لا حرصا على النظام المجرم! ولا لأنه نظام شرعي لا يجوز الخروج عليه! ولكن من باب أن ثورة كهذه قد لا تكون آخذة بأسباب النصر، مما قد ينتج عنه مضار للمسلمين دون تحقيق الفائدة المرجوة.

أمَا وقد حصلت، ووصل المسلمون مع هذا النظام المجرم، ومن ورائه النظام العالمي المجرم، مرحلة اللاعودة، فإن مناقشة مشروعية البدء بالثورة لا يعود له مكان، والحديث عن إيقافها من جانب المسلمين سعيا للـ"تهدئة"! لا يخرج عن أن يكون غفلة أو خيانة.

- وهذا ينطبق على باقي الثورات والبلاد. فالذين يريدون تغيير المنكر في بلادهم وإقامة نظام إسلامي يحرر العباد من الذل للطغم الفاسدة وللنظام الدولي، هؤلاء ينبغي أن يسألوا أنفسهم:

-هل لديهم شوكة وقوة يغلب على ظنهم أنها تمكنكم من التغيير وإقامة الحكم الإسلامي؟

- هل لديهم العلماء المستعدون لقيادة الناس والنزول إلى الميادين والتضحية معهم في سبيل ذلك؟

- هل قضيتهم واضحة للناس ولديهم قاعدة شعبية داعمة وإعلام بديل بحيث لا يحاربهم إلا من كان منافقا أو معاديا لدين الله أو من ارتضى لنفسه أن يكون من جند الظلمة مطيعا لهم في معصية الله؟ أم أن هناك نقصا في وضوح القضية للناس بحيث ينجح الظلمة وإعلامهم في تشويه قضية هؤلاء المصلحين وضربهم بعامة شعبهم لعدم نضوج مشروعهم ولا وضوح صورته؟

إن كان الجواب: بل لدينا هذه المؤهلات والأسباب للقدرة على تغيير المنكر، فهؤلاء لا عذر لكم أمام الله إن قعدوا عن التغيير، وإن كلف ذلك حربا ضروسا تُبذل فيها الدماء ويستخدم فيها الظلمة إجرامهم. فالإثم حينئذ على الظلمة لا على المصلحين. ولا يقال عن المصلحين حينئذ أنهم جروا البلاد إلى فتنة، بل لا فتنة أشد من أن يُعَبَّد الناس لطغمة فاسدة من البشر تحكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم بقوانين أرضية وتفتنهم عن دينهم بالإفساد والشهوات تارة وبالحديد والنار تارة...((والفتنة أشد من القتل))، ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)).

وكما قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:

(لو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يتفانوا، كان خير لهم من أن ينصبوا طاغوتاً يتحاكمون إليه).

طيب لو كان الجواب عن هذه الأسئلة: (لا)، ليست لدينا قوة كافية ولا علماء ولا رموز يقودونها ولا قاعدة شعبية ولا

إعلام بديل ولا مشروع ناضج؟

حينئذ، فيكون هؤلاء غير مكلفين بالثورة ابتداء ما داموا لم يحصلوا أسباب إنجاحها، بل عليهم السعي في تحصيل هذه الأسباب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإلا فالشروع في ثورة غير ناضجة هو مظنة بقاء منكر الظلم والحكم الوضعي، لكن مع سفك الدماء وانتهاك الأعراض وضرب المشروع الإسلامي ووأده في مهده وتشويهه في عيون الناس وعزل المصلحين عن جسد شعبهم والتباس الأمور بحيث يخذلهم أو يقاومهم أناس فيهم خير لكن مغرر بهم لا يدركون قضية هؤلاء المصلحين.

فليست المقارنة هنا بين إقامة الحكم الإسلامي مع تحمل هذه الأضرار أو عدم إقامته تجنبا لهذه الأضرار. بل المقارنة هنا بين بقاء الظلمة مع العمل على تحصيل أسباب تنحيتهم، وفي المقابل بقائهم أيضا لكن مع تضييع أسباب إزالتهم نتيجة الثورة غير الناضجة، مما قد يقويهم ويطيل أمدهم، إضافة إلى الأضرار المذكورة في دماء الناس وأموالهم وأعراضهم دون مقابل من التمكين للإسلام لينعموا بعدله ورحمته.

ليست المسألة هنا النهي عن الثورة على الظلمة الحاكمين بقوانينهم الأرضية لأنها خروج على ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم كما يقول علماء السوء! بل لأن الثورة غير الناضجة تمكن لهؤلاء، وحتى لو سقطوا وليس لدى المصلحين مشروع فقد يأتي من هو شر من الساقطين ليقطف ثمرة جهود المصلحين وتضحياتهم وتضحيات شعبهم وآلامه.

وليس معنى هذا مهادنة الظلمة أو السكوت عنهم. بل معناه بيان حقيقتهم للشعوب وتعليم الناس عقيدة البراء منهم ما داموا ينحون دين الله، وتعليم الشعوب أن الخصومة مع هؤلاء ليست على رغيف الخبز أو توفير الوظيفة فترضى عنها الشعوب إن وفرت لها ذلك، بل الخصومة معها هي لله وفي أخطر قضايا العبودية لله من تشريع وإنفاذ قوانين في أرواح الناس غير ما ارتضاه الله لعباده، وإضلال الناس وإفساد أخلاقهم. وما الجوع ونقص الأمن إلا بعض الثمرات المشؤومة لذلك. أي أن على المصلحين -وإن لم يستطيعوا القيام بثورة- أن يحافظوا على الحالة الثورية في قلوب الناس، وأن يعيشوا معهم آلامهم ويطالبوا لهم بحقوقهم ويسعوا في رفع ظلم الطغاة عنهم.

وعليهم أن يصبروا في ذلك كله على ما ينتج عن هذه الدعوة من تضييق وحبس وتلفيق تهم وطرد من الوظيفة وتهديد في لقمة العيش، ولا يسع أهل العلم والدعاة أن يسكتوا عن بيان ذلك أو أن يضفوا الشرعية على الظلمة بحجة مصلحة الدعوة...((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبَيِّنُنَّه للناس ولا تكتمونه)).

والبطولة في هذه الدعوة والصبرِ على استفراد الأنظمة بالدعاة وتغييبهم وتحمل ذلك ثقة بوعد الله وتوكلا عليه...هذه البطولة لا تقل عن بطولة من يريد استعجال الثورة غير الناضجة ويكون وسط الجموع فلا تطاله أيدي الظلمة كما تطال الأول.

طيب ماذا لو ثار الشعب من تلقاء نفسه وأصبح في صراع بقاء مع الـظلمة؟ هل يكون دور الدعاة أن يكسروا هذه الثورة ويطوعوا الناس للظلمة من جديد ويقولوا للناس بعدما وصل الصراع مرحلة اللارجعة: ثورتكم غير ناضجة والأسباب لم تُستكمل بعد فعودوا على بيوتكم؟

أعوذ بالله! هذا الذي لا يرتضيه مصلح لنفسه. بل يقال حينئذ: قدر الله وما شاء فعل، أمر واقع فُرض، لعل الله يعين على تحويله لصالح المسلمين وإن لم يختره المصلحون ابتداء. فلا بد لأهل الحق حينئذ من قيادة هذه الثورات وتوجيهها وإعلاء سقف مطالبها، فإن كانت لرغيف الخبز فلتصبح ليكون الدين كله لله، ولصلاح آخرة الناس ودنياهم معا. ولْيرى الناس المصلحين في الصفوف الأولى لهذه الثورات لا يكتفون بالكلام ولا يبخلون بأرواحهم عن أرواح الناس، بل يضحون ويكونون قدوة عملية كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وماذا لو ظهر لنا أن الناس لا تريد أن تعدل مسار ثورتها لتكون لله، وأن رغيف الخبز الذي أخرجها سيرجعها إلى بيوتها، وأنها لا تريد للمصلحين أن يوجهوها بل تريد من يحقق لها شهواتها فحسب؟ حينئذ، فللمصلحين أن يعتزلوا الأمر كله ويبقوا على دعوتهم ما دام أن هذه الثورة ليس لله فيها نصيب، ويُذكرون هؤلاء الثائرين أن ثورتهم على الظلم لا تبيح لهم العدوان على أبناء شعبهم ولا على ممتلكاتهم.

لكن ما ليس خيارا في كل الأحوال هو أن ننزل نخذل الناس باسم الدين عن ثورتهم، وهم لم يرونا من قبل في الميادين نطالب لهم بحق ولا نسعى لهم في رفع ظلم، حتى إذا ما استجابوا لنا ورجعوا لبيوتهم، واستتب الأمر للظلمة فبدأوا يتخطفون الثائرين، كنا أداة لهؤلاء الظلمة من حيث لا نشعر، تصب جهودنا في إطالة أمد ظلمهم وتخذيل الناس عنهم، وفقدنا مصداقيتنا لدى شعوبنا وظهرنا أحبار سوء نسجل المواقف لدى الظلمة على حساب شعوبنا، أو على أقل تقدير مغفلين نحسن الظن في غير موضعه. وحينئذ، فكبر على الدعوة أربعا، ولا تنتظر من الناس أن يسمعوك بعدها ولا أن يعينوك على تحصيل الأسباب التي ذكرناها لإقامة دين الله في الأرض.

ضمن هذا الطرح، ما هي الأخطاء التي وقعت في التجربة المصرية؟ ما هي الأخطاء التي يجب ألا تكرر في المرات القادمة، سواء في مشروع إصلاح يملك الدعاة زمامه، أو في ثورات تفرض عليهم وتتطلب منهم موقفا؟

هذا ما سنعرفه في الكلمة القادمة بإذن الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .