عدد المشاهدات :

لا مزاح بآيات الله

2015-05-22

السلام عليكم.

أيها الأحبة، بالتعاون معكم نطلق حملة بعنوان:

(لا مزاح بآيات الله).

هدفها معالجة ظاهرة متفشية، حتى بين الشباب "المتدين"، بل وقد تكون فيهم أكثر من غيرهم! ألا وهي ظاهرة ذكر القرآن في سياق المزاح بطريقة لا تليق بعظمته، وما يلحق ذلك من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أو ألفاظ شرعية بما لا يليق.

ليس كلامنا عن الذين يستهزئون بالدين صراحةً، فهؤلاء نحن بريئون منهم في الدنيا والآخرة، وقد تكلمنا عنهم وسنعود بإذن الله. لكن الحملة مخصصة لنا نحن الذين نحب الله ورسوله، لكن يقع منا ما ينطبق عليه (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم).

وقد كنت أرى في المجالس الخاصة كثيرا من هذا المزاح الخطير فيضيق صدري به، وأنصح الإخوة بكلام مختصر، إلى أن قرأت مؤخرا كتابا للشيخ الفاضل جمال الباشا حفظه الله بعنوان (تحذير الغافلين من خطر الهزء بالدين)، وجدت فيه نقولات مخيفة للعلماء في التحذير لا من الاستهزاء بالدين فحسب، بل ومن ذكر شعائره في سياقات غير مناسبة، وهو ما نراه كثيرا جدا من إخواننا. فتحمست أن نطلق هذه الحملة لمدة أسبوع، ننشر كل يوم منشورين على الأقل في الموضوع. فأدعوكم أيها الأحبة إلى تأملها والمساعدة في نشرها لعلنا نلقى الله تعالى بهذا العمل العظيم: اننا عظمناه تعالى ودعونا الناس إلى تعظيمه. فهو والله من أرجى الأعمال.

وحتى نفهم أكثر عن ماذا نتكلم، أورد هنا مشهدا رآه الشيخ جمال الباشا بنفسه وكان دافعا له على تأليف الكتاب. قال:

(اجتَمَعَ بعضُ الشبابِ في دارِ أَحَدِ الإخوَة ، إجابةً لدعوته لهم بالإفطار في أحدِ أيامِ رمَضان ، وبعدَ أن أحضَرَ الطعامَ نسيَ إحضارَ الخُبزِ ، فقالَ أحدُ المدعوِّين: "(ما ليَ لا أرى الخبزَ أم كان من الغائبين؟!) فأجابَه صاحبُ الدعوة: (سآتيك به قبلَ أن تقومَ من مَقامك وإنِّي عليه لقَويٌّ أمينٌ) ثمَّ قالَ ثالثٌ : وماذا نفعَلُ بالخُبز (ولكم في العَدسِ أسوةٌ حَسَنَة)!

فضَحِكَ الجميعُ ، وقهقَهوا وارتَفَعَت أصواتُهم، وكان بعضُهم يحفَظُ القُرآن!!).

في المنشورات القادمة سنرى، هل هذا المزاح مقبول؟ أم أنه من كبائر الذنوب التي تهدد الإيمان؟! وماذا قال علماؤنا الأولون عنه؟

لا مزاح بآيات الله-أمثلة مما يجوز وما لا يجوز من ذكر تعبيرات قرآنية في الكلام:
بعد المنشورات السابقة سأل كثير من الإخوة عن اقتباسات متنوعة لآيات من القرآن إن كانت مما يجوز أو لا يجوز. فأود هنا أن أنقل كلاما لابن تيمية. قال رحمه الله تعالى:
(ليس لأحد استعمال القرآن لغير ما أنزله الله له، وبذلك فسَّر العلماء الحديث المأثور: (لا يناظر بكتاب الله) ؛ أي: لا يجعل له نظير يُذكر معه، كقول القائل لمن قدم لحاجة: لقد ((( جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى )) [طه : 40] ، وقوله عند الخصومة:((مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)) [الملك : 25] ، أو: ((وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [الحشر : 11] . ثم إن خرَّجه مخرج الاستخفاف بالقرآن والاستهزاء به كفر صاحبه، وأما إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو كان ما يناسبه من الأحكام فحسن، كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه: ((مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا)) [النور : 16] ، وقوله عند ما أهمه: ((إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)) [يوسف : 86] (المستدرك على مجموع الفتاوى لابن قاسم (1 / 172) ).

وكذلك قال إبراهيم النخعي فيما أورده الزبيدي في (تاج العروس): (كانوا يكرهون أن يذكروا الآية عند الشيء يعرض من أمر الدنيا كقول القائل للرجل : (جئت على قدر يا موسى) لمسمى بموسى إذا جاء في وقت مطلوب الذي يريد صاحبه. هذا وما أشبهه من الكلام مما يتمثل به الجهلة من أمور الدنيا وفي ذلك ابتذال وامتهان)

لاحظوا أيها الأحبة أنه في الأمثلة التي ذكرها ابن تيمية والنخعي فإن فيها ذكرا للفظ الآية في غير موضعها.
1. فالذي يقول لصاحبه (جئت على قدر يا موسى)، ليس موسى هذا هو موسى عليه السلام الذي ذكره القرآن. وما مجيء موسى عليه السلام لمناجاة ربه تعالى كمجيء موسى اليوم لأصحابه.
2. والذي يهدده إنسان فيرد عليه: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)، فالوعد الذي في الآية هو يوم القيامة، لا وعيد إنسان من خصومه. والأهم من ذلك أن قول (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) كانت ما يقوله الكافرون إنكاراً واستبعاداً لوقوع الوعد الذي هو وعد الله لهم بالبعث والحساب. فاستعمال اعتراضات الكفار على وجه المحاججة بها وقد ابطلها الله هو من نوع الاستهانة بآيات الله.
3. والذي يقول في قوم: (والله يشهد إنهم لكاذبون) في أناس معينين –وقد يكونون من المسلمين- ما أدراك أن الله يشهد عليهم بالكذب؟ إنما كانت الآية شهادة على الذين نافقوا في حادثة نزلت فيها الآية.

فهذا كله استعمال للقرآن في غير ما أنزل له كما سماه ابن تيمية، وسمى النخعي مثله ابتذالا وامتهانا للآيات.

4. ويشبهه في أيامنا ما يفعله البعض عند المزاح إذ يناول صديقا له كتابا فيقول: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة). بينما لو قيل لرجل على سبيل النصح والتذكير والاستدلال (يا يحيى خذ الكتاب بقوة)، أي: تمسك بأمر الله بقوة، فهذا جائز بلا شك، بخلاف الذي خرج مخرج المزاح.

وكذلك المثلان الآخران الجائزان في كلام ابن تيمية، فنلاحظ فيهما الجدية لا الهزل، وكذلك الاقتباس في موضع مناسب لا يخرج الآية عن مثل ما أُنزلت له.
فمن يُدعى إلى ذنبٍ تاب منه كالغيبة فيقول: (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)، فهو يقتبس الآية في مثل ما أنزلت له من تحريم قذف المحصنات. وكذلك قول المهموم المحزون: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) متمثلا قول يعقوب عليه السلام.
فالجِدِّية ومناسبة الآية للحال الذي تقتبس له ضابطان يفرقان بين الاقتباس المشروع والاقتباس المحظور، والله تعالى أعلم.


 

 
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .