للإستماع
للتحميل
عدد المشاهدات :

شبهة تعطيل حد السرقة عام المجاعة - نصرة للشريعة 7

2013-03-11

السلام عليكم ورحمة الله. إخوتي متابعي سلسلة (نصرة للشريعة)، دعونا نرتب أفكارنا. في الحلقة الرابعة بعنوان (عن أي تدرج نتكلم) وهي حلقة مهمة أرجو متابعتها مرة أخرى، ذكرت أن مجمل ما يورده المدافعون عن التدرج في تطبيق الشريعة هو أحد اثنين:
-إما أنه في الواقع دليل على ترتيب للأولويات في عرض الشريعة وبيانها للناس، لا على التدرج، وقد بينت ذلك في الحلقتين السابقتين.
- أو أنه دليل على وقف لحكم شرعي معين عملا بالشريعة، لأن شروط هذا الحكم الشرعية لم تتحقق فوجب العمل بحكم آخر.
هذا ما سنبدأ بنقاشه في هذه الحلقة.
إخواني، أكثر اعتراض وردني إلى الآن على هذه السلسلة هو أن عمر رضي الله عنه أوقف حد السرقة عام المجاعة. كيف يفهم الإخوة هذه المسألة؟ أن عمر عندما رأى الناس قد أصابهم الفقر والجوع فسرقوا لينقذوا حياتهم حكَّم عقله ونحى جزءا من الشريعة جانبا لأنه رأى أن الظرف لا يسمح بتطبيق هذه الجزئية من الشريعة.
طبعا هذا الفهم خاطئ جداً!
بداية، أود أن أنبه إلى أن هذا الأثر في أن عمر أوقف حد السرقة في عام المجاعة لم يثبت عنه أصلا. فقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد فيه مجهولان كما قال الألباني في (إرواء الغليل).
وعلى كل، فهذا لا يؤثر في مسألتنا لأنه لو حصل فعلا أن الناس سرقوا عام المجاعة مضطرين فإن عمر ولا بد لم يكن لينفذ فيهم حد السرقة. لماذا؟ لأن الشريعة تأمره بألا ينفذ حد السرقة في هذه الحالة.
فلا بد من توافر شروط دلت عليها الأدلة الصحيحة لتطبيق حد السرقة:
أن يكون أخذ الشيء على وجه الخِفْيَةِ، وأن يكون المسروق مالا محترماً لا عينا محرمة، وأن يبلغ المسروق النصاب وأن يأخُذَ السارق ما سرقه من حرزه الذي يحفظ فيه عادة وثُبُوتِ السرقة بشهادة عَدْلَيْنِ أو بإقرار السارق على نفسه مرتين وأن يطالب المسروق منه بماله وألا يكون للسارق شبهة في المال.
إذا لم تتوفر هذه الشروط فلا يجوز للحاكم شرعا أن يقطع يد السارق.
- إذن قلنا من الشروط أن يبلغ الشيء المسروق النصاب، وهو ربع دينارِ ذهب. دينار الذهب 4.25 غرام ذهب. فربع الدينار حوالي غرام ذهب، يعني أكثر من 300 جنيه، أو أكثر من 50 دولار أمريكي هذه الأيام. فالذي يسرق ليأكل لن يحتاج أن يسرق هذا المبلغ أو طعاما بهذه القيمة. والشريعة لا تأمر بالقطع على سرقة ربطة خبز أو دجاجة أو ما يُسد به الجوع.
دعونا نفترض أنه في عام المجاعة غلت الأطعمة جدا وسرق الفقير مضطرا ما يبلغ النصاب، سرق طعاما أو ثمن طعام يبلغ غرام الذهب. هنا الشريعة تمنع من إقامة الحد على هذا السارق لأن من شروط الحد ألا يكون للسارق شبهة في المال. والسارق مضطر فهذه شبهة تمنع إقامة الحد عليه بأمر الشريعة.
إذن إخواني المسألة ببساطة أن الشريعة هي التي منعت عمر رضي الله عنه من إقامة الحد على السارق المضطر، فليس له إلا أن يذعن للشريعة فلا يقطع في هذه الحالة. هذا حكم من داخل الشريعة، لا أن عمر عطل الشريعة وعمل برأيه.فالحد لم يجب أصلا ليسقطه عمر أو يعطله.
فعمر لم يقل سنقنن أو نطبق قانونا بشريا من خارج الشريعة هذه السنة لأن الوضع لا يسمح بتطبيق الشريعة! بل هو طبق الشريعة لا شيء غير الشريعة. فإن الله تعالى لم يجعل حد السرقة لمن سرق حتى ينقذ نفسه من الهلاك أو مشقة الجوع الشديدة. ومعلوم أن الضرورة الملجئة تبيح للإنسان ما لا يباح لغير المضطر, فالذي لا يجد ما يأكله له أن يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير! وإن لم يعطه الغني طواعية جاز لهذا الجائع الفقير أن يسرق ما ينقذ به نفسه.
بمعنى آخر، لو أقام نظام مسلم الحد في هذه الحالة لأثم!لاحظ: لو أقام نظام مسلم الحد في هذه الحالة لأثم! لأنه لو أقام الحد فإنه عمل بخلاف الشريعة.
الآن لو قتل مسلمٌ مسلما آخر خطأ. فما حكمه في الشريعة؟ عليه الكفارة وعلى عاقلته الدية. هل يُقتل؟ طبعا لا يقتل لأنه قَتل خطأ. إذا جاء الحاكم وقتله، هل يكون مصيبا؟ لا طبعا بل يأثم ويكون قد ارتكب جريمة قتل تعاقب عليها الشريعة. فهل نقول: على الحاكم أن يعطل حكم الشريعة في الاقتصاص من القاتل؟ لا طبعا! هو لا يعطل حكم الشريعة. بل نقول أن شرط تعمد القتل لم يتحقق حتى يسمح الحاكم بالقصاص. فهذا القاتل له حكم آخر من الشريعة ذاتها. حكمه الكفارة والدية على عاقلته. وهكذا مسألتنا هذه. السارق المضطر ليس حكمه القطع في الشريعة، بل الشريعة تمنع من إقامة الحد عليه.
فالمسألة إخواني مسألة فقهية بحتة، لا إعمالٌ للعقل بدلا من الشريعة. سؤال يطرح نفسه: بيننا وبين عمر أكثر من 14 قرنا. هل قال عالم واحد من علماء الأمة عبر هذه القرون أن رواية عمر هذه دليل على جواز التدرج في تطبيق الشريعة؟ هل فهم عالم واحد هذا الفهم الذي أصبحنا نسمعه في هذه الأيام؟
هل قال عالم من سلفنا الصالح أن عمر أوقف العمل بشيء من الشريعة؟ هل قال بذلك أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية أو الغزالي أو أي واحد من علماء الأمة؟
بل انظروا كيف يعرض العلماء هذه المسألة:
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: (فإن السَّنة إذا كانت سنة مجاعة وشدةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه. ويجب على صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجانا، على الخلاف في ذلك; والصحيح وجوب بذله مجانا; لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، (إذن يجب على الغني أصلا أن يبذل المال للفقير عند المجاعة) وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، لا سيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه (أي يجوز للفقير أن يأخذ المال او الطعام من الغني عنوة في هذه الحالة). وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدُرئ. (أي أنه على فرض أن عمر لم يقطع يد أي سارق عام المجاعة فإن هذا لأنه كان يصعب عليه أن يعرف من يسرق مضطرا ممن يسرق غير مضطر). (ثم قال ابن القيم): نعم، إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قُطع)...لاحظ!إذن المسألة ليست إيقافا للعمل بالحد عموما. إنما أوقف العمل به لتعذر معرفة المضطر من غيره. لكن لو بان أن شخصا بعينه غير مضطر ولا حاجة به إلى السرقة وتحققت الشروط الأخرى فإنه حينئذ يقام عليه الحد.
-إخواني، لقد جعل الله تعالى شريعته سمحة تراعي أحوال الناس. تراعي الاضطرار والإكراه والجهل الذي يُعذر الإنسان به. فالرفق بالناس إنما هو بإعمال الشريعة على ما هي عليه.
فالذي يريد أن يعطل الشريعة إشفاقا على الناس من شدتها إما أنه يجهل أحكام الشريعة ومراعاتها للاضطرار والإكراه والعذر بالجهل، وإما أنه يسيء الظن بالشريعة ويظن نفسه أرفق بالعباد من ربهم سبحانه وتعالى.
-هناك بيئات لا تصلها الأحكام الشرعية. رأينا مثلا كيف أن هناك مناطق في صعيد مصر لا يعرف الواحد أن يقرأ الفاتحة ولا يعرف اسم النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة التجهيل الذي مارسه النظام العفن لعقود طويلة. الآن لو قام حكم إسلامي وأتى إلى هذه المناطق فرأى الناس يشربون الخمر ويتعاطون الحشيش ويتعاملون بالربا وهم يجهلون حرمة هذه الأشياء، هل يقيم عليهم حد الخمر ويعزرهم على تعاطي الحشيش والربا؟ لا طبعا! لأن الناس جهلوا حرمة هذه الأشياء جهلا لعل كثيرين منهم معذورون به لأنهم نشأوا في بيئات مجهلة فقيرة نائية عن العلم. ومن شروط العقوبة على العمل المحرم أن يعلم فاعله أنه محرم. فإنما يجب على الدولة حينئذ أن تُعلم الناس في هذه المناطق حرمة هذه المنكرات. فإن شرب أحد الخمر بعدئذ جلد لان شروط الحد مستكمَلة.
فلو تصورنا أن نظاما أتى وقطع يد السارق المضطر وجلد شارب الخمر الجاهل المعذور بجهله فإننا سنكون أول من يقف في وجه هكذا نظام ونؤلف فيه سلسلة بعنوان (نصرة للشريعة) أيضا لأنه لا يعمل بالشريعة!فإعمال حكم لم تتحقق شروطه وترك الحكم المناسب للحالة هو أيضا تعطيل للشريعة. عدم أخذ الاضطرار والإكراه والجهل بعين الاعتبار هو مخالفة للشريعة. جلد من لا ينبغي جلده وعقاب من لا يستحق العقاب هو من تعطيل الشريعة.
خلاصة الحلقة:لم يقم عمر حد السرقة عام المجاعة عملا بالشريعة، لأن شروط الحد الشرعية لم تتوفر.ولم يعطل عمر شيئا من الشريعة أو يعمل رأيه بدلا منها.

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .