للإستماع
للتحميل
عدد المشاهدات :

هل نطالب الحركات الإسلامية بأكثر من وسعها؟ - نصرة للشريعة 9

2013-03-11

تكلمنا في الحلقة الماضية عن مثال الرجال الثلاثة الذين عادوا إلى بيوتهم فوجدوها تحترق. وقلنا أن على من يصل إلى الحكم أن يكون كالرجل الأول الذي انشغل بالأهم عن المهم.
وكذلك سيجد العاملون للإسلام أنفسهم لا محالة منشغلين بواجبات عن واجبات، لكن لا تثريب عليهم... قال تعالى: ((ما على المحسنين من سبيل))...وقال تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج))، وقال تعالى: ((فاتقوا الله ما استطعتم)). والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الأحزاب قال : ((ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا! شغلونا عن الصلاة الوسطى –يعني صلاةَ العصر- حتى غابت الشمس)).
فما المطلوب إذن؟ على الإسلاميين أن يعلنوا من اللحظة الأولى أن الحكم لله. وأن ما خالف الشريعة من القوانين فهو تحت الأقدام. فالسيادة المطلقة التامة للشريعة منفردةً لا تنازعها سيادة أبدا. فإن عجزوا عن فريضة من الفرائض فإن فرضيتها تسقط عنهم ولا تكون واجبة في حقهم إلى حين تحقق القدرة والاستطاعة...((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)). ما دام القانون إسلاميا والدولة تطبق ما تقدر عليه فالشريعة مطبقة. قد يقول قائل: ألا يسمى ذلك تدرجا؟ نقول: أبدا! لا علاقة له بالتدرج. وسنبين لماذا بإذن الله.
تعالوا بداية إلى تطبيقات عملية مهمة حتى تتضح المسألة:
1) قد -و(قد) هذه لها قصة تأتي بإذن الله- قد لا يطالَب العاملون للإسلام بإعلان الجهاد لتحرير بلاد المسلمين المحتلة من اليوم الأول من استلامهم للحكم...لكن افترض أن شبابا تسللوا من الدولة الإسلامية إلى فلسطين وجاهدوا المحتل ثم عادوا إلى حمى الدولة الإسلامية. هل ستنفذ الدولة الإسلامية ضدهم قانون مكافحة الإرهاب الذي يقضي في هذه الحالة بتجريمهم وحبسهم؟ طبعا لا. فقانون مكافحة الإرهاب ومعاهدة كامب ديفد وكل قانون أومعاهدة تمنع من نصرة المسلمين وتذل رقابهم لعدوهم ستكون لاغية بإعلان تطبيق الشريعة من اللحظة الأولى وسيحل محلها قانون: ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين)). أن تنفذ الدولة هذا القانون الجديد بحسب الوسع والطاقة شيء، وأن تعمل بضده شيء آخر.
قد يأتي الحاكم في هذه الحالة بالشاب المجاهد ويقول له في رفق: (لماذا يا بني استعجلت؟ نحن في طور إعداد العدة وترتيب الصف ووأد الفتن الداخلية ونريد همتك معنا في ذلك ولا والله لن يهدأ لنا بال حتى نحرر بلاد المسلمين. لا تفتح علينا يا بني جبهة جديدة الآن)، وقد يعزره إذا أضر فعله بالدولة الناشئة، أما أن تنفذ الدولة فيه قانون مكافحة الإسلام فماذا بقي لها حينئذ من اسم الإسلام؟! قد لا تكون لديها الاستطاعة لتحرير بلاد المسلمين، لكن يجب حينئذ أن لا تكون لديها الاستطاعة لعقوبة المجاهدين أيضا.
2) إذا استلم العاملون للإسلام الحكم في بلد فيها عدد كبير من دور المجون والخمارات ومحلات الفيديوهات المحرمة وأشرطة الأغاني ومقاهي الإنترنت التي يُعمل فيها بالمعصية والسينماهات وصالونات النساء التي يعمل بها الرجال ومحلات المساج الماجنة ومحلات بيع التماثيل المحرمة والمكتبات التي فيها كتب إباحية أو كفرية وغيرها...قد لا يكون لديهم الاستطاعة لإغلاق ذلك كله دفعة واحدة. لكن بمجرد إعلان تطبيق الشريعة فإن حكم هذه الأشياء كلِّها واضح...كانت في القانون الوضعي أماكن قانونية محمية باسم القانون يُجرم من يعتدي عليها، والآن أصبحت أماكن ممنوعة لا حرمة لها، بل تنتظر إغلاقها بمجرد استطاعة الدولة لذلك، وما عادت تستطيع أن تستعز بالدولة أو تحتمي بالقانون.
3) المنافقون والعلمانيون، وبتحريض من الدول المعادية، قد يتعمدون التهجم على الشريعة والسخرية من أحكامها، بل والاستهزاء بالله تعالى وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد لا يكون لدى الدولة الاستطاعة أن تستتيب هؤلاء كلهم أو تقضي عليهم كلِّهم دفعة واحدة. لكن بمجرد إعلان تطبيق الشريعة فإن هؤلاء-إن لم يتوبوا- سيكونون بانتظار الجزاء العادل الذي شرعه الله لمن يرتد عن دينه أو يسخر منه، وسيحاسبون على كلامهم فور استطاعة الدولة لذلك. ما عادت زبالات أفكاره هؤلاء العلمانيين والمنافقين حرية تعبير كما كانت في ظل الدول التي تعطي الحرية لهم وتحرم منها الدعاة إلى الله. بل إيقافهم عند حدهم سيعطى أولوية قصوى في دولة مبنية على تعظيم الله والعبودية له سبحانه.
4) في بعض البلاد عدد كبير من الأضرحة والمقامات التي يزورها الناس ويتبركون بها ويمارسون عندها طقوسا بدعية أو شركية، وكانت تتمتع بحماية الدولة التي كانت تُعَيِّن سَدَنةً وحراسا لهذه المقامات! بمجرد إعلان تطبيق الشريعة فإن هذه الأضرحة تنتظر إزالة الدولة لها وتحويلها إلى قبور عادية، وليس حراستها.
5)على الدولة الإسلامية أن تحقق الرعاية الصحية لشعبها وأن تقوم بمشاريع زراعية وحيوانية تحقق لها اكتفاء ذاتيا عن عدوها بحيث لا يحاول ابتزازها والتحكم بسياساتها من خلال امتلاكه للقمح والحليب وغيرهما، كما أن عليها القيام بمشاريع الصناعات الثقيلة التي تحقق لها استقلالها أيضا. فهذا كله من تطبيق الشريعة ومن حفظ النفس والنسل والمال التي هي من مقاصد الشريعة. لكن كما لا يخفى فإن تحقيق ذلك كله لا يتم من اليوم الأول. لكن إعلان تطبيق الشريعة يتضمن ألا تلتزم الدولة بأية اتفاقية تحظر عليها زراعة القمح و تجعل قوتها بيد أعدائها.
6) قد تجد الدولة الإسلامية نفسها أمام آلاف من الفاسدين الذين كانوا منتفعين بالنظام غير الإسلامي. هؤلاء الفاسدون قد انتهبوا خيرات البلاد فتملكوا أراضيها ومشاريعها الحيوية وخصخصت القطاعات العامة لهم وغمروا الناس في قروض ربوية من خلال بنوك لهؤلاء الفاسدين. قد لا تستطيع الدولة الناشئة رد ما في أيدي هؤلاء من منتهبات إلى عامة الناس دفعة واحدة. لكن لو جاء بنك من بنوكهم يقول: فلان اقترض مني مئة ألف قبل سنوات فتراكمت عليه الفوائد وعجز عن السداد فلم يسدد إلا أصل الدين. تعالي يا دولة اطرديه من بيته المرهون لأبيعه وأحصل فوائدي. هل تعينه الدولة؟ طبعا لا تعينه. فـ"فوائده" هذه أصبحت رباً محرما باطلا بإعلان تطبيق الشريعة.
وعلى ذلك فقس. هناك دروس كثيرة يمكن استنباطها من هذه الأمثلة. ما هي هذه الدروس؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله. فتابعوا معنا.

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .