للإستماع
للتحميل
عدد المشاهدات :

أهمية إعلان سيادة الشريعة منذ البداية- نصرة للشريعة 10

2013-03-11
   السلام عليكم ورحمة الله.
إخوتي الكرام ذكرنا في الحلقة الماضية أن من يحمل مشروعا إسلاميا إن استلم الحكم فلا مناص له من إعلان السيادة لمطلقة الكاملة المنفردة للشريعة ومن اللحظة الأولى. وذكرنا أن هذا لا يعني بالضرورة إتيانه بالواجبات وإلغاء المنكرات دفعة واحدة، لكن ما دام القانون إسلاميا محضيا والدولة تطبق ما تقدر عليه فالشريعة مطبقة. وذكرنا أمثلة عملية للنقلة الكبيرة التي يُحدثها إعلان سيادة الشريعة. ثم وعدتكم باستخلاص دروس من هذه الأمثلة. تعالوا أحبتي الكرام نستعرض بعض هذه الدروس:
1) لاحظنا أن إعلان سيادة الشريعة يؤثر في كل شيء في المجتمع. فالمجتمع يصبح مبنيا على العبودية المطلقة لله. بهذا الإعلان فإن أعمالا كانت تُجرم في ظل القوانين الوضعية أصبحت مسموحة، وأخرى كانت مسموحة أصبحت جرائم، أشخاص وأملاك فقدت حصانتها وأخرى اكتسبتها، قضايا كانت رابحة تخسر وأخرى كانت خاسرة تربح، اتفاقيات تُلغى وأخرى تبرم...كل هذا بإعلان تطبيق الشريعة ومن اللحظة الأولى.
حتى إن لم تستطع الدولة إنفاذ هذه الأحكام مرة واحدة فإن تسميتها وتوصيفها الشرعي يبقى ذا أثر كبير. فرق كبير بين أن يعرف الفرد أنه يفعل شيئا محضوضا عليه تشجعه الدولة وأن يفعل شيئا ممنوعا يستوجب العقوبة. حتى إن تأخرت المثوبة والعقوبة إلى حين قدرة الدولة واستطاعتها فتوصيفالأفعال يبقى ذا أثر كبير في سلوك المجتمع.
2) لاحظنا أن البديل عن إعلان سيادة الشريعة هو أن تحكم الدولة الإسلامية بالقانون الوضعي الجاهلي!
عندما نقول: (إسلاميون في الحكم)...فهم دولة، ليس لهم أن يقفوا موقف المحايد من التصرفات والأشخاص والقضايا. إما أن يحكموا بالإسلام وإما أن يحكموا بالجاهلية، جاهلية القوانين الوضعية...((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)). ولبيان ذلك أكثر أرجو مراجعة الحلقة الثالثة بعنوان(المعنى الخطير للتدرج).
فيا من تطالبون بعدم إعلان سيادة الشريعة من اللحظة الأولى، اعرفوا ما يؤدي إليه ذلك: أن تصبح الدولة "الإسلامية" حارسة للقوانين الوضعية، منفذة لها، معاقبة لمن يخالفها، مثيبة للعاصي، معاقبة للمطيع.
ماذ بقي لها من اسم الإسلامية حينئذ؟! هل تقبلون للدولة الإسلامية أن تفعل ذلك ولو ليوم واحد يا أصحاب التدرج؟!
آلمني ما سمعته من أحد الدعاة وهو يقول لمستمعيه في المسجد: (متظنوش إن الإسلاميين إذا وصلوا الحكم حيغيروا كل حاجة مرو وحده. يمكن مفيش حاجة من القوانين حتتغير أول سنتين تلاتة، لكن الناس حتبأى نضيفة)! وهذا كما ترون إخواني كلام خطير للغاية يدل على عدم وعي لمعنى أن تكون في الحكم أو على تجويز أن يسوس مسلمون المجتمع بقوانين جاهلية وضعية. إن لم يتغير شيء من القوانين فستبقى الأماكن التي تمارس فيها المحرمات قانونية كما كانت في القانون الوضعي، وتستحق من الدولة الحماية والرعاية ضد من يريدون إنكار منكرها. فهل يُتصور أن تعين الدولة الإسلامية في النهاية حراسا ملتحين على أبواب الخمارات والنوادي الليلية؟((ما لكم كيف تحكمون))؟!
فيا من تدافعون عن التدرج اعرفوا عن ماذا تدافعون!
3)الحق واحد والباطل متشعب! إن لم يلتزم الدعاة بإعلان سيادة الشريعة، فإنهم سيتخبطون في البديل عن ذلك...لأنهم فقدوا البوصلة بالتنازل عن الحق...((فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنا تصرفون))
فترى هذا "الداعية" يقول: قد لا نغير شيئا من القوانين أول سنتين او ثلاثة، آخر يقدرها بأشهر، والثالث بمدة أكثر أو أقل، آخر يقول: سنبدأ بأحكام الشريعة التي يتقبلها الشعب ونؤخر ما لا يتقبلها، وآخر يقول: نبدأ بالأحكام المتعلقة بالأخلاق والسلوك ونؤخر الحدود، آخر يقول نقوي الاقتصاد ثم نطبق الشريعة...أصبحت المسألة خاضعة لتقديرات البشر...أهم مسألة، مسألة العبودية لله تعالى بتطبيق شرعة والخلافة في الأرض أصبحت خاضعة للأهواء والتخمينات والتخريصات والظنون.
((وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا)).
هل يُظن بالله تعالى أن يترك هذه المسألة المصيرية، مسألة العبودية لله بتطبيق شريعته، أن يتركها لظنون البشر هكذا؟!
فالحق واحد، وهو في إعلان السيادة المطلقة التامة للشريعة من اللحظة الأولى. ومن تخلى عن ذلك دخل في تشعبات ومتاهات وتخبطات الباطل.
4) إعلان السيادة للشريعة من اللحظة الأولى هو عقد بين الحاكم والمحكوم ملزم للطرفين يمنع أيا منهما من التلاعب. وبه تسقط الحصانات الزائفة حتى عن الحكام. لأنهم إن زاغوا عن تبعات هذا الإعلان فإن على الشعب أن يحاسبهم ويقيس أفعالهم إلى هذا المسطرة الواضحة، مسطرة الشريعة.
فالإسلاميون ليسوا معصومين. إن وصلوا إلى الحكم فما الذي يضمن ألا تصيبهم لوثة السلطة والأبهة التي أصابت من شغل المناصب قبلهم؟ معقول؟ لا عصمة لأحد. إن كنا نرى تنازلات قدمت من البعض ومبالغات تفخيمية في الحملات الانتخابية كنا نبغضها من غيرهم، فما الحال عندما تُذاق حلاوة الألقاب والمشي على السجاد الأحمر؟!
ونحن مأمورون أن نأخذ بظواهر الناس في الخير والشر. أما النوايا فأمرها إلى الله.
لذلك فنحن لا نقبل أبدا هذه العبارات المائعة الرمادية التي تُستخدم هذه الأيام بديلا عن عبارة "تحكيم الشريعة ومن اللحظة الأولى"، كعبارة "أجندة واضحة للتدرج في تطبيق الشريعة"، أو: "فلان لديه توجه نحو تطبيق الشريعة"، أو "سنطبق ما يتوافق مع روح الشريعة"، أو "سنسن القوانين بما يحقق مقاصد الشريعة"، أو"الحزب الفلاني سيسعى بخطوات حثيثة إلى تطبيق الشريعة"، أو "عليه أن يكون لديه نية جازمة لتطبيق الشريعة" أو "رؤية صادقة لتطبيق الشريعة" أو "جدية في الوصول بالمجتمع إلى تطبيق الشريعة"، أو: "ستكون الدولة ذات مرجعية شرعية".
هذه العبارات كلها هلامية مائعة تهرُّبية.حتى وإن استخدمت فيها كلمات الجدية والحزم والعزم والصدق.
إخواني، تطبيق الشريعة عقد! هل تقبل أن تكتب مع مالك شقة عقد إيجار صيغته: اتفق الطرفان على أن يدفع المستأجر 500 دينار شهريا مقابل أن يكون لدى المؤجِّر توجه واضح نحو تأجيره الشقة؟! هل تقبل في عقد زواجك أن يُكتب: اتفق الطرفان على أن يدفع الرجل المهر مقابل أن يكون لدى ولي المرأة نية جازمة لتزويجه إياها؟!
هل تقبل بذلك؟ هل تغني عندك النوايا حينئذ شيئا؟ كذلك تطبيق الشريعة عقد بين الحاكم والمحكوم. المحكوم يبذل الطاعة والولاء ويتعبد لله بطاعة هذا الحاكم مقابل أن يلتزم الحاكم بتطبيق الشريعة، ثم هو قبل ذلك وفوق ذلك عقد مع الله عز وجل، عقد عبودية وخضوع بتطبيق شرعه تعالى، لا تنفع فيه مثل هذه العبارات الهلامية. إن كنت لا تقبل هذه العبارات في عقد زواج أو استئجار فمن باب أولى ألا تقبلها في أخطر ما تعيش من أجله: العبودية لله تعالى بتطبيق شرعه.
كلمة "تطبيق الشريعة" منضبطة يمكن قياسها، وعبارات التوجه والموقف والتدرج والنية والرؤية والمرجعية ليست منضبطة ولا يمكن قياسها.
إذا استلم من يرفعون مثل هذه الشعارات الحكم في يوم من الأيام ثم قست قلوبهم وأصابتهم لوثة الكرسي، وأرادوا مداهنة الغرب لا خوفا على شعبهم بل خوفا على كراسيهم. فكيف سيحاسبهم شعبهم؟ إن فرطوا في أوامر الشريعة فطالبهم البعض بتنفيذها فما الذي يمنع هؤلاء الحكام الـ"إسلاميين" من أن يقولوا: (نحن لدينا التوجه الحقيقي والنية الصادقة لتطبيق الشريعة لكن في تقديرنا أن الشعب غير مهيأ، والمرحلة لا تناسب، ونرى من المصلحة أن لا نطبق هذه الجزئية من الشريعة الآن، ونحن ما زلنا نتدرج في تطبيق الشريعة حسب أجندة واضحة، وفي أجندتنا أن علينا البقاء عند هذه المرحلة للأشهر القليلة القادمة)؟
إذا طرأ الانحراف على الحكام الـ"إسلاميين" وبرروا بهذه المبررات فما الذي يمنعهم؟ خاصة وأن عقدهم مع شعوبهم كان هلاميا من البداية.
سندخل حينئذ في معركة الحكم على النوايا والاختلاف في تقدير الوضع يسمح أو لا يسمح، وما إلى ذلك.
هل بقيت هناك دروس من الأمثلة التي ذكرناها في الحلقة الماضية؟ نعم. لكن حتى لا أطيل عليكم دعونا نناقشها في الحلقة القادمة.
اسمحوا لي أن ألخص الدروس الأربعة الأولى:
1) إعلان سيادة الشريعة يحدث انقلابا في موازين ومفاهيم وقوانين المجتمع من اللحظة الاولى.
2)البديل عن هذا الإعلان هو أن تحكم الدولة بالقانون الوضعي الجاهلي!
3)من تخلى عن إعلان سيادة الشريعة فسيدخل في متاهات الباطل المتشعب.
4)إعلان سيادة الشريعة عقد لا تقبل فيه العبارات الهلامية.
خلاصة الحلقة:إعلان تطبيق الشريعة من اللحظة الأولى هو الحق الأوحد، وهو المفهوم المنضبط المحدد المقيس شرعا والذي يحاسب عليه كل من الحاكم والمحكوم. وما عداه حكم جاهلية وباطل متشعب ومفاهيم غير منضبطة ولا محددة تؤدي إلى انحراف الحاكم والمحكوم.
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .