عدد المشاهدات :

وردني السؤال التالي تعليقا على حلقة (حب بلا رجعة)

2013-07-19

الإخوة الكرام، وردني السؤال التالي تعليقا على حلقة (حب بلا رجعة)، ورأيت من المفيد أن أنشر إجابته:

السؤال: الدكتور الفاضل، أستمع بين الفترة والأخرى إلى تلك السلسلة الرائعة، وقد أثرت بي كثيرا، لكن لدي تساؤل حول عدم الشكوى لغير الله البتة، فكيف نوفق بين ذلك وبين ما يقوله علم النفس من أن مشاركة الهم تخفف منه؟ وأن الفضفضة تخفف كثيرا على الإنسان (والنساء خاصة)، يحيرني التوفيق بينهما.. بل وأن حبس الهم داخل الإنسان قد يورثه المرض!! أقول لنفسي إن الحديث عن الهم دون شكوى لا بأس به، لكنني بعد أن أستمع مرة أخرى لبعض الحلقات في السلسلة أشعر أنه لا يليق بالمؤمن حتى الحديث عن همه دون شكوى، لأن الحديث ذاته مظنة الشكوى.. أنتظر جوابا شافيا، وجزاك الله خيرا

الجواب:

الإيمان درجات، أعلاها ألا يشكو الإنسان بثه وحزنه إلا إلى الله، كما فعل يعقوب عليه السلام حين قال ((إنما أشكو بثي وحزني إلا الله)).

لكن قد يكون الإنسان مؤمنا ولم يصل هذه الرتبة، فيتكلم بهمومه وأحزانه أمام من يثق فيه على سبيل "الفضفضة "وتنفيس الضغط كما ذكرت، وليس هذا أمرا محرما، لكنه ليس الأكمل.

وأحيانا يكون بث الهم والحزن محمودا، خاصة إذا كان من إنسان في بدايات التزامه أو يحتاج تقوية لإيمانه، فيتكلم بهمومه أمام إنسان من أهل العلم ليذكره بمعاني الرضا بالقضاء والقدر والاستعانة بالله وحسن الظن به، فمثل هذا لا ننصحه أن يكتم مشاعره السلبية، بل عليه أن يكشفها ويطلب علاجها أمام من يثق في علمه ودينه. وقد قال ابن القيم في وصف ابن تيمية: (وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة)...فليلاحَظ أنهم كانوا يأتونه يبثون له الهموم فيثبتهم ويزيد يقينهم.

لكن حتى في هذه الحالة، على المرء أن يحرص على التحدث عن نعم الله الكثيرة التي أنعم الله بها عليه، قبل أن يذكر شكواه، وأن يعزو مشاكله إلى ذنوبه ومعاصيه، وذلك تأدبا مع الله عز وجل وحرصا على بقاء حسن الظن بالله لدى من تُشكى الهموم إليه.

لكن المذموم قطعا وبلا شك هو الشكوى أمام من لا تنفع الشكوى أمامه، كالشكوى لمن ليس بإمكانه تقديم نصيحة دنيوية تساعد على حل المشكلة، ولا دينية تعين على الترضي بالقدر، ولا يشارك المرء وجدانيا ويشعره بالاهتمام به فينفس عنه ضغوطه...فالشكوى هنا تزيد هموم الآخرين وتحرم المرء من مقام الرضا دون فائدة.

مع أن أصحاب هذا النوع المذموم قد يقولون الحمد لله على كل حال، لكن التسخط على القدر يكون مبثوثا في ثنايا الكلام وملامح الوجه.

فلكل مقام مقال، والمعيار الأهم في ذلك أن يُقنع المرء نفسه قبل أن يشكو إلى أحد أنه إنما يُبتلى بذنوبه فعليه أن يتخلص منها، وأن يحسن الظن بربه وبحكمته ورحمته في أقداره وأنه يختار لعباده المؤمنين الأنفع لهم في دنياهم وأخراهم. ومن اجتهد في التفكر في هذين الأمرين (سوء الظن بالنفس وحسن الظن بالله) فيغلب على الظن ألا يحتاج بعدها إلى الشكوى ولا إلى بث الهموم! والله تعالى أعلم وأحكم.

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الفرقان' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .